عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

573

اللباب في علوم الكتاب

ووجه قول أبي حنيفة : أنّ حرمة اليوم ساقطة عند اللّه - عزّ وجلّ - ، فصادف الهتك محلّا لا حرمة له في علم اللّه تعالى ، كما لو قصد وطء امرأة زفّت إليه ، وهو يعتقد أنّها ليست بزوجة له فإذا هي زوجته » . قال القرطبيّ : « وهذا أصحّ » . وقال ابن جريح : « لولا كتاب من اللّه سبق » أنّه لا يضلّ قوما بعد إذ هداهم حتّى يبين لهم ما يتقون « 1 » ، وأنّه لا يأخذ قوما فعلوا شيئا بجهالة ، وأنّه لا يعذب إلا بعد النهي ، لعذبكم فيما صنعتم ، وأنّه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء . وهذا أيضا ضعيف ؛ لأنّا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء . فهل حصل دليل عقليّ يقتضي حرمته أم لا ؟ . فإن قلنا : حصل ، فيكون اللّه تعالى قد بيّن تحريمه بواسطة ذلك الدّليل العقلي ، فلا يمكن أن يقال : إنّه تعالى لم يبيّن تلك الحرمة ، وإن قلنا : إنه ليس في العقل ولا في الشّرع ما يقتضي المنع ؛ فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلا وإذا كان الإذن حاصلا فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله ؟ . وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير : « لولا كتاب من اللّه سبق » أنّه لا يعذّب أحدا شهد بدرا مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » ، وهذا أيضا مشكل ؛ لأنّه يقتضي أن يقال : إنهم ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزّنا والخمر ، وما هددوا بترتيب العذاب على هذه القبائح ، وذلك يوجب سقوط التّكاليف عنهم ، ولا يقوله عاقل ، وأيضا فلو كان كذلك ، فكيف أخذهم اللّه في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها ؟ . قال ابن الخطيب : « واعلم أنّ النّاس أكثروا فيه ، والمعتمد في هذا الباب أن نقول : أمّا على قول أهل السنة : فيجوز أن يعفو اللّه عن الكبائر . فقوله لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسّهم عذاب عظيم ، وهذا هو المراد من قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] وقوله « سبقت رحمتي غضبي » . وأمّا على قول المعتزلة : فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر ، فكان معناه لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنّ من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة ، وإلّا لمسّهم عذاب عظيم ، وهذا الحكم وإن كان ثابتا في حقّ جميع المسلمين ، إلّا أنّ طاعات أهل بدر كانت عظيمة ، وهو قبولهم الإسلام ، وانقيادهم لمحمّد ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال : إنّ الثّواب الذي استحقّوه على هذه الطاعات كان أزيد

--> ( 1 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 262 ) . ( 2 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 262 ) .